وفى مثل هذا اليوم من سنة 106 للشهداء (390 م) تنيح الأب المغبوط اللابس الروح أب رهبان برية شيهيت القديس مكاريوس الكبير ولد هذا القديس فى شبشير مركز منوف سنة 300 م. كان والده كاهناً اسمه إبراهيم. لم يكن له ولد ورأى فى رؤيا ملاك الرب يقول له أن الله سيرزقه ولداً يكون ذكره شائعاً فى أقطار الأرض ويصير أبا لبنين روحانيين.
وبعد قليل رزق بهذا القديس فسماه مكاريوس أى الطوباوى. وكان مطيعاً لوالديه فحلت عليه نعمة الله. ولما كبر زوجه والده بغير إرادته فتظاهر بالمرض أياماً ثم استسمح أباه أن يمضى إلى البرية ليطلب الخلوة والراحة فسمح له وفى البرية أبصر رؤيا كأن كاروباً ذا أجنحة أمسك بيده وأصعده على رأس الجبل وقال له " إن الله قد أعطاك هذا الجبل ميراثاً لك ولبنيك من بعدك".
ولما عاد من البرية وجد أن زوجته قد تنيحت وهى عذراء وبعد ذلك تنيح أبواه فوزع كل ما تركاه له على الفقراء ومضى إلى شنشور وسكن فيها. ولما ذاع صيت فضائله أخذوه إلى أسقف أشمون فرسمه قساً على شنشور. وكانوا يأتون إليه للتناول من الأسرار المقدسة وعينوا له خادماً ليبيع له عمل يديه وقضاء ما يحتاجه.
لما رأى الشيطان سموه فى الفضيلة أوعز إلى فتاة كانت قد ارتكبت الخطية مع شاب بأن تدعى أن القس مكاريوس هو الذي ارتكب معها هذا الشر. فمضى إليه أهل الفتاة وأهانوه وضربوه وألزموه بأن يتكفل بالطفل وأمه. فلما أتت ساعة الولادة ظلت الفتاة أربعة أيام معذبة ولم تلد حتى أعترفت بافترائها على القديس. فرجع أهل الفتاة يطلبون من القديس المغفرة فهرب ومضى إلى برية شيهيت وهو فى الثلاثين من عمره.
وسكن فى موضع دير البراموس الحالى وواظب على الصلاة والصوم والقراءة والتأمل.
ثم ذهب القديس لزيارة القديس الأنبا أنطونيوس فأستقبله وقال له " إنك عتيد أن تصير مغبوطاً كاسمك" وألبسه إسكيم الرهبنة ورجع إلى قلايته فاجتمع حوله كثيرون وذاع صيته وسمع الملوك بكثرة العجائب التى كان يعملها. ثم ظهر له ملاك الرب وأتى به إلى رأس الجبل عند البحيرة الغربية المالحة وأعلمه بأن يتخذ له هذا المكان سكناً. فبنى لنفسه قلاية وكنيسة وهى المعروفة حالياً بدير القديس مكاريوس.
ولما ازدادت عليه حرب العدو مضى مرة أخرى لأخذ نصائح القديس الأنبا أنطونيوس بخصوصه وبخصوص الرهبان الذين اجتمعوا حوله. وقد نال هذا الأب شدائد كثيرة فى سبيل دفاعه عن الإيمان القويم أيام الإمبراطور فالنس الاريوسى الذي نفاه إلى جزيرة فيلة جنوب أسوان وهناك أنقذ ابنة كاهن الأوثان من شيطان كان يعذبها فآمن هو وكل سكان الجزيرة بالسيد المسيح وبعدها عاد إلى ديره.
وتميز هذا القديس باتضاعه ومحبته لأولاده وطول أناته عليهم وكان يستر على عيوبهم. حتى جاءه صوت من السماء يقول " طوباك يا مكاريوس الروحانى يا من تشبهت بخالقك تستر العيوب مثله ".
ولما أكمل جهاده الحسن حضر القديسان أنطونيوس وباخوميوس وجماعة من الملائكة والقديسين وأستودع روحه الطاهرة بيد الرب عن عمر يناهز التسعين عاماً وما يزال جسده بديره العامر ببرية شيهيت.
بركة صلواته فلتكن معنا. آمين.