في مثل هذا اليوم أيضاً من سنة 1687 للشهداء (9 مارس 1971م) تنيح الأب القديس البار البابا كيرلس السادس، البطريرك المئة والسادس عشر من بطاركة الإسكندرية.
ولد هذا القديس في مدينة دمنهور لأبوين تقيين بارين، وكان اسمه عازر يوسف عطا. وكان القمص تادرس البراموسي، وهو راهب شيخ، معتاداً أن يزور تلك الأسرة وكان قد تنبأ مسبقاً برهبنته. عندما كبر عازر، كان يمارس الحياة الرهبانية في منزله، كما كان مثابراً على قراءة الكتاب المقدس والمواضيع الكنسية والطقوس والألحان. وفي يوليو من سنة 1927 ذهب إلى دير البراموس حيث ترهبن باسم مينا البراموسي.
وفي يوم 18 يوليو من سنة 1931، رُسم قسيساً، ثم التحق بالكلية الإكليريكية بحلوان. وعندما سمع أن البابا يوأنس (البطريرك المئة والثالث عشر) كان ينوي أن يرسمه أسقفاً، هرب إلى الصعيد ومكث في دير الأنبا شنودة في سوهاج. ثم عاد فيما بعد والتقى بالبطريرك الذي وافق على طلبه بالتوحد وعيّن الراهب التقي القمص عبد المسيح البراموسي ليكون مرشده الروحي. ثم بعد ذلك، عاش القديس في مغارة تبعد عن الدير ساعة واحدة مشياً على الأقدام. كان يأتي إلى الدير يوم السبت مساءً فقط ليعتني بالرهبان الشيوخ، ويحضر صلاة العشية وقداس يوم الأحد لكي يتناول من الأسرار المقدسة.
لقد عاش القديس في سنة 1936 في طاحونة مهجورة على جبل المقطم في مصر القديمة حيث كان قد دأب على أن يصلي قداساً كل يوم. وفي سنة 1941، عُين رئيساً لدير الأنبا صموئيل المعترف في صحراء القلمون فقام بتجديد الدير والكنيسة وبنى قلالي جديدة للرهبان. وقد تم تدشين الكنيسة بيد المتنيح الأنبا أثناسيوس أسقف بني سويف الذي منحه رتبة القمصية.
وفي سنة 1947، عاد القديس إلى مصر القديمة حيث بنى كنيسة على اسم القديس مارمينا. كان العديد من الرهبان الأتقياء قد تتلمذوا على يديه في تلك الكنيسة كما سيم العديد منهم فيما بعد أساقفة في الكنيسة. لقد كان بسبب صلواته الدائمة وإيمانه القوي يشفي المرضى، ويخرج الأرواح الشريرة، ويحل العديد من مشاكل زائريه.
وعندما تنيح البابا يوساب الثاني وبعد عملية مطولة من الترشيحات، تم عمل القرعة الهيكلية التي وقعت على القمص مينا البراموسي ليكون البطريرك المئة والسادس عشر من بطاركة الإسكندرية. وتمت رسامته بطريركاً يوم الأحد 10 مايو سنة 1959 باسم البابا كيرلس السادس. وفي يوم 28 يونيو من سنة 1959، قام قداسته برسامة بطريرك للكنيسة الأثيوبية لكي يقوي الروابط بين الكنائس الشقيقة.
في نوفمبر 1959، وضع البابا كيرلس حجر الأساس لدير مارمينا العجايبي في صحراء مريوط ونقل رفاته الطاهر إليه. وفي سنة 1967، قام بطبخ الميرون. لقد كان ذلك حدثاً تاريخياً حيث أن الميرون كان قد طُبخ في الكنيسة القبطية 26 مرة فقط على مدار تاريخها. وفي يوم 2 أبريل 1968، ظهرت والدة الإله السيدة العذراء على قباب كنيستها في الزيتون. وفي يونيو 1968، جلب البابا كيرلس رفات القديس مارمرقس التي بقيت خارج مصر لما يقرب من أحد عشر قرناً من الزمان. لقد وضع هذه الرفات لتستقر في مزار بُني خصيصاً تحت مذبح الكاتدرائية العظمى للقديس مارمرقس التي بناها البابا في منطقة الأنبا رويس بالعباسية. كانت هذه الكاتدرائية قد تم افتتاحها في احتفال مهيب حضره الرئيس جمال عبد الناصر والامبراطور الراحل هيلاسلاسي ومندوبون عن الكنائس من العالم كله.
لم ينسَ البابا كيرلس قط أنه الراهب الفقير مينا المتوحد. فكان طعامه بسيطاً جداً حيث كان في أيام كثيرة يأكل وجبة واحدة من الخبز الجاف، والملح، والكمون بعد أن يصلي القداسات في وقت متأخر من المساء. كما كان حريصاً على إقامة تسبحة نصف الليل يومياً. وكان قداسه اليومي هادئاً وعميقاً.
هذا وقد منح الله هذا الأب الطاهر موهبة صنع المعجزات حتى بعد نياحته.
وعندما أراد الله أن يريحه من أتعاب هذا الدهر، مرض مرضاً قصيراً وفي يوم نياحته استقبل العديد من أبنائه ورفع الصليب وقال: "الرب يدبر أموركم" ثم أسلم روحه الطاهرة بيد الله الذي خدمه وأحبه. وفي يوم 25 نوفمبر من سنة 1972، تم نقل رفاته الطاهرة إلى دير مارمينا بصحراء مريوط بحسب الوصية التي كتبها بخط يده. وفي يوم نقل رفاته إلى الدير، كرمته السماء ببروق وأمطار غزيرة لم تحدث بهذه الطريقة من قبل.
بركة صلوات هذا الأب القديس تكون معنا جميعاً ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد. آمين.