نياحة القديس البابا كيرلس الأول، البطريرك الرابع والعشرون من بطاركة الكرازة المرقسية
في مثل هذا اليوم من سنة 160 للشهداء (444م) تنيَّح البابا كيرلس الأول، البطريرك الرابع والعشرون من بطاركة الكرازة المرقسية، وهو الملقب بعمود الدين ومصباح الكنيسة الأرثوذكسية.
ولد هذا القديس ببلدة محلة البرج من أسرة عريقة في الإيمان، وتتلمذ على يدِ خاله البابا ثيؤفيلُس البطريرك الثالث والعشرون. أحبَّ قراءة الكتب المقدسة وسير الآباء القديسين، واهتم بحفظ ألحان الكنيسة والتسبحة ثم درَسَ بالمدرسة اللاهوتية العلوم والفلسفة واللاهوت ونبغ فيها.
ومضى القديس إلى برية شيهيت وترهَّب على يدَي القديس الأنبا سرابيون، فنما في الفضيلة والمعرفة الروحية والعبادة والنسك.
ثم استدعاه خاله ورسمه قساً بالإسكندرية، فخدم فيها بنشاط وجذب الكثيرين بتقواه وعفته فأحبه جميع الشعب القبطي.
وبعد نياحة خاله البابا ثيؤفيلُس أختاره الأساقفة والأراخنة بطريركاً وتمت رسامته يوم 20 بابه سنة 129 للشهداء (412م). اهتم برعاية شعبه وتعليمه، كما قاوم البدع والهرطقات، ورد على مقالات يوليانوس الجاحد، وألغى الحكم الصادر من خاله ضد القديس يوحنا ذهبي الفم، ووضع أسمه في مجمع القديسين.
ولما ظهرت بدعة نسطور - بطريرك القسطنطينية - تصدى البابا كيرلس لها. فبعث في موعد عيد القيامة برسالة فصحية لجميع كنائس العالم، كتب فيها عن كيفية إتحاد اللاهوت بالناسوت كاتحاد النار بالحديد، الذي حين يطرقه الحداد يقع الطرق على الحديد دون النار، مع كون النار متحدة بالحديد بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فالنار تظل محتفظة بطبيعتها النارية والحديد يظل محتفظاً بطبيعته الحديدية.
أما بالنسبة للقب العذراء "ثيؤطوكس" فقد قال: "كما أن الأم البشرية تعطي الجسد فقط لأبنها، وتعتبر مع ذلك أماً لابنها بكامله. هكذا العذراء هي بحق أم الله، لأنه قد نما بداخلها الجسم المقدس، الذي اتخذه المخلص وجعله واحداً مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، فهي إذاً أم لابنها الله الكلمة بكامله".
أرسل رسالة أخرى لنسطور شرح له فيها العقيدة المستقيمة، وإستعطفه أن يرجع إلى صوابه، لكن نسطور لم يستجِب. فأرسل له رسالة ثانية أوضح له فيها خطورة ما يعتقد به، وبعث إليه بوفدٍ ليتدارس معه عقيدته، لكن نسطور رفض مقابلتهم.
فجمع البابا مجمعاً من أساقفة الكرازة المرقسية للنظر في هذه البدعة، وحكم على نسطور بالهرطقة، وأضاف مقدمة قانون الإيمان. كما بعث بقرار المجمع المقدس لكنائس المسكونة ومن ضمنها القسطنطينية، فأرسل نسطور إلى سِلِستين بابا روما محاولاً إستمالته. لكن كيرلس أرسل رسالة لبابا روما تشرح وجهة نظره، فجمع بابا روما مجمعاً حرم فيه نسطور، ورد على رسالة كيرلس برسالة يترك له فيها حرية التصرف لثقته بحكمته.
فجمع البابا كيرلس مجمعاً إسكندرياً ثانياً اتُّخِذ فيه قرارٌ بالتمسك بقرارات المجمع السابق، وبمطالبة نسطور بالتوقيع عليها. لكن نسطور رفض التوقيع، فتدخل الإمبراطور ثيؤودوسيوس، ودعا لأنعقاد مجمع مسكوني في أفسس لكن نسطور أيضاً رفض الحضور. بدأ المجمع بقراءة دستور إيمان نيقية والقسطنطينية ورسالة البابا كيرلس إلى نسطور وردود نسطور عليها. فحكم المجمع على نسطور بالهرطقة، وحرمه وخلعه من كرسيه وتم تجريده من الكهنوت.
لقد نالت البابا كيرلس شدائدُ كثيرة بسبب هذا القرار، من يوحنا بطريرك أنطاكية وبعض الأساقفة الشرقيين المناصرين لنسطور، لكنهم عادوا إلى الوفاق بعد ذلك، بينما نفى الإمبراطور نسطور سنة 435م إلى أخميم.
وشرح هذا البابا كثيراً من الأسفار الإلهية، كما عمل بعض الإضافات لقداس القديس مار مرقس الرسول، وهو القداس المعروف حالياً باسم القداس الكيرلسي. ولما أكمل سعيه الصالح تنيَّح بسلام بعد أن قضى على الكرسي المرقسي واحداً وثلاثين سنة وثمانية شهور وعشرة أيام.
بركة صلواته فلتكن معنا. آمين.